الأم المثالية ..حقيقة أم أسطورة ..؟ – د .. فادرة بالنور

الأحد 18 ديسمبر، 2016 7:41 م

1010

 
هل يتعيّن على الأم أن تكون مثالية حتى تظفر بلقب الأمومة ؟!
قد ترقّبْتِ بشغف هذا الطفل وتريدين له أكيد الأفضل ، بدءًا من أفضل الأمهات ..ولكن أن تكوني أنتِ الأم المثالية ..!أيمكن ذلك فعلا ..؟! وما المطلوب بدقّة منكِ ؟!
 
هل نعيش عهد المرأة الحديدية ..؟
 
تواجهين سيدتي من خلال وسائل الإعلام ضرورة ممارسة نسْك الكمال وحسن أداء الأمومة .
سيدتي ، أنت مطالبة إجتماعيّا برفع راية الإتقان على جميع الجبهات : مرأة ، عاملة ، حبيبة ، زوجة ، وأم ..تباعًا مكتملة الشروط .
في الواقع تضمر معظم الأمهات رغبة ًفي تثبيت فكرة الأم النموذجية والدور الذي تتطلّع إليه دون أدنى عُقد .
هي تسعى أن تغمر طفلها دون أن تكترث بكلّ ما يكلّفها ذلك من تضحيات لتجسّد بنفسها كلّ الأشياء الخاصّة به ، حتّى قبل أن يُعرب صغيرها عن أي طلب .
 
أهمية تلقين الطفل ثقافة الطلب عند الحاجة ..
 
حين يستهلّ مولودك الجديد ، أنتِ على موعد مباشر لتفتتحي معه توطئة الأمومة وأنتِ تمنحينه أول وجباته الغذائية الطبيعية.
حتى وإن كانت أول الوجبات حليبا إصطناعيا ، أنتِ تلجين علاقة فريدة من نوعها ، علاقة طلب وإستجابة طلب ، سوف تلازمك في أدقّ تفاصيل هذا الرباط الوثيق .
 
عزيزتي أنتِ مدعوّة في كلّ مرّة أن تنتظري حاجة صغيرك إلى الشيء ثم طلبه إيّاه بإصرار حسب وسائله المتاحة حتى تستجيبي له .
الشهيّة بعد جوعٍ مثلا ، إحساس جميل ورائع بداية من الرغبة في الأكل فالإستمتاع حين تناوله ثم الشعور بالإكتفاء منه .
حين تسْعَيْن إلى تلبية احتياجه دون أدنى رغبة من ناحيته ، أنت تمنعين عنه نعمة الشعور بالحرمان والطلب عند الحاجة وهما من أساسيات تربية الطفل السليمة ، تُعدّه لمستقبل متوازن وناجح .
في الحقيقة ، أنت ملزمة برفض أشياء لطفلك حسب الظرف المتاح أو تأخير الإستجابة لوقت ترَيْنه مناسب .
كما عليه أن يستأهل في كل الأحوال تلبيتك طلبه .
أنتِ بذلك ، تكشفين له حدوده وتمنحينه نقاطا مرجعية، ليطمئن قلبه . كما تثبتين حبك حين تشرحين له بلطف ما يناسب وما لا يناسب .
سيدتي ، أنتِ مطالبة أن تكوني “الأم الجيدة بما فيه الكفاية” . طفلك لا يحتاج إلى أم خارقة .
جميل أن تشعري بالحاجة إلى بذل قصارى جهدك ، ولكن بين ذكريات نشأتك ، لوحات حياتك الخاصة ، ثقافتك وحدسك بما هو الأفضل لطفلك ، لا يبدو من السهل السيطرة على الوضع ..
معضلة الأم المثالية أنها لا تفك عن السعي إلى عالم الكمال الذي لا يمكن الوصول اليه .
لا مفر من خيبة أملها وربما قد تصاب بتوتر يصل إلى الاكتئاب.
 
أن تكوني مثالية يشعرك بأنك محبوبة ..
 
كلّ أمٍّ تطمح أن تكون في المقابل محبوبة . لذلك من المغري أن تنفق كلّما لديها لفائدة أبنائها .
إلا أنه يأتي زمن يكبر فيه طفلك ويسعى إلى فرض أرائه التي في كثير من الأحيان تعارض نقاطك المرجعية والحدود التي وضعتيها له سابقا .
حينها قد يشعر بالذنب لأنه تجرّأ على الأم المثالية التي يصعب مجاراتها والوصول إلى مستواها النموذجي .
 
أم مثالية … ابن سيّء .
الأم المثالية ليست الجرعة السحرية التي تصنع يقينا الطفل المثالي .
أحايين كثيرة ينتهي الإبن إلى عكس المنشود و يمكن أمام “كمال” أمّه ، أن يسلك سبيل التهاون أو قد يخضع لتأثيرات أخرى من حوله .
قبولكِ عيوبه والسماح له أن يتكّل على نفسه ويستفيد من أخطائه يتيح له فرصة التناغم مع واقع بعيد عن المثالية .
 
أم مثال لغير المثالية..
كوني كما أنتِ بعدم يقينك في الاشياء ، بتساؤلاتك وإعادة النظر في من حولك . بيّني له أنّكِ لست معصومة من الخطأ و أنَّك تقبلين أخطائه و لا ينبغي أن يشعر بالفشل والإحباط وأنّه على الدوام يستحقّ محبّتكِ .
قد تكون الأم المثالية هي التي لا تحاول أن تكون مثالية . هي التي ترعى أبناءها بمحبة وسخاء ، لكنها تبقى كما هي ، بعيوبها وتقلّب مزاجها ، بكسلها ولحظات كآبتها .
سيدتي نموذج أنتِ بلا شكّ ، ولكنك النموذج الذي يمكن الوصول إليه و الذي يؤهل صغيرك للثقة بنفسه على مراحل عمره المختلفة .
 
كوني الأم … التي تفعل ما في وسعها.
 
من المؤكد أن بعض الأمور أفضل لطفلك من غيرها.
ولكن من منّا يستطيع أن يحقّق ما يريد ؟!
لعلّ الأهم ، هو القيام بما في وسعك ، من خلال توفير الرعاية الأساسية التي يحتاج إليها إبنكِ مع تكريس ما أُتيح من الوقت والإهتمام .
سيدتي حقّ عليك أن تفكري في نفسك وتخصصي بعض الوقت لقراءة كتاب أو ممارسة رياضة أو هواية تحبّينها .شعورك بالرضا عن نفسك أعظم هديّة قد تقديمينها لطفلك .
 
وأين الأب من كل هذا ..؟
 
لكِ أن تمنحي طفلك الرعاية الأساسية والعاطفة التي يستحقها منكِ .
إنما ثقي بالأب ليتولّى بدلا عنكِ بعضا من مهامه . هي مساحة حرّة عليك التنازل عنها لفائدة إبنك ينشأ فيها لبرهةٍ بدونك..
 
 
في نهاية المطاف ، الأم المثالية هي التي تسمح حبًّا في طفلها وتضحية لأجله أن تغيّر بعمق حياتها وإحساسها بنفسها .
الأم المثالية التي تخوض بجرأة تجربة الأمومة وهي توقن أنها مسؤولية عملاقة تستوجب جهدا وعناءً لا حدود لهما.
فلا تشعري بالذنب سيدتي ، مارسي الأمومة بما في وسعك من مقدرة ، فالأم مثالية في جميعها أحوال .


رابط مختصر طباعة الخبر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *